من المعروف أن جهاز المخابرات البريطانى هو واحد من أعرق أجهزة المخابرات
فى العالم أجمع وأفضلها أيضا؛ فقد أثبت العاملون فيه أنهم الأفضل فى هذا
المجال خاصة فى فترة الحرب العالمية الثانية, وكان من بين العاملين فيه
يوجد شخص من أكثر أهل الارض حنكة وعبقرية وهو (أيان فليمنج). - إيان
فليمنج (25 مايو 1908 - 12 أغسطس 1964) أديب وصحفي بريطاني بالإضافة إلى
كونه ضابط بحري في الحرب العالمية الثانية، يشتهر بكونه مؤلف سلسلة روايات
جيمس بوند وكذلك قصة الأطفال تشيتي تشيتي بانچ بانچ, خلال الحرب العالمية
الثانية خدم إيان فليمنج في مخابرات البحرية البريطانية ومنها استوحى في
تأليفه لسلسلة جيمس بوند. في إحدى مهامه أرسل فليمنج إلى جمايكا وأعجب
فليمنج بهذه الدولة. بعد انتهاء الحرب ترك عمله في الجيش إثر خلاف مع
مسؤوليه وسافر إلى جمايكا واستقر فيها، بنى بيتا على شاطئ البحر وعاش فيه
حتى آخر أيامه. الاسم "جيمس بوند" أخذه من اسم مؤلف دليل "طيور جمايكا".-
وهناك واحدة من أكثر العمليات التى قام بها (ايان فليمنج) غرابة وعبقرية
فى نفس الوقت, ففى فترة الحرب العالمية الثانية كان الإنجليز يستخدمون
أزرارا مجوفة للمعاطف ومن خلالها يستطيعون إخفاء مايكروفيلم بداخلها, وقد
تم إستخدام هذه المعاطف لفترة طويلة دون أن يتم إكتشافها, إلى أن جاء ذلك
اليوم الذى اكتشف فيه الألمان هذه الخدعة وتهاوى على أثرها العديد من
الجواسيس الإنجليز, لذا فكان لزاما على جهاز مخابراتهم إيجاد حل لهذه
المشكلة, وتم عرض المشكلة على (ايان فليمنج) الذى استغرق بعض الوقت فى
التفكير ليخرج اليهم بفكرة مجنونة بحق, فقد إقترح عليهم بعكس إتجاه فتح
الأزرار, وسيكون من حقك أن تندهش وتتعجب إذا ما عرفت أن الألمان لم
يستطيعوا كشف الخدعة الجديدة, فهم إعتقدوا أنهم بكشفهم لهذه الخدعة قد قضوا
عليها تماما, وعندما حاولوا التأكد من هذا لم تستجب الأزرار لمحاولاتهم,
لأنه وبكل بساطه كان عليهم لفها فى الاتجاه الاخر.
إختصارا لكل
الكلام السابق هو أنك لا تحتاج لإختلاق تعقيدات لكى تحل مشكلة أو تصنع
خدعة, وإنما قد يكون الأمر غاية فى البساطة, هذا إذا ما استطعت أن تسير
بعكس الاتجاه الذى يفكر به الاخرون, وكان هذا واضح جدا فى فكرة (ايان
فليمنج) عندما طلب عكس إتجاه فتح الأزرار, فمعظم الاشخاص يقومون فقط بما
إعتادوا عليه, فمثلا إذا لم يستجب الباب لمحاولاتهم لفتحه من المرة الاولى,
فهم يعزون ذلك إلى أنه هناك عطب قد أصاب الباب, ويلجأوا إلى النجار
لإصلاحه دون أن يحاولوا هم فعل ذلك, بالرغم من أنه قد لا يكون هناك عطب على
الإطلاق, وإنما قد يكون الخطأ فى إتجاه دوران المفتاح .
وهذا ما
توقعه (ايان فليمنج) فعندما أمسك الألمان بالأزرار الجديدة وحاولوا فتحها
لم تستجب لهم , لأنهم لم يكونوا يفتحونها وإنما كانوا بالفعل يحكمون
اغلاقها, ولأنهم إعتادوا على فتحها فى إتجاه عكس عقارب الساعه, فهم لم
يتوقعوا أبدا أن يكون إتجاه فتحها فى عكس الإتجاه المعتاد.
ما
أريد قوله هو أنك إذا ما أردت أن تصنع لغزا لتتحدى به الآخرين, لست مضطرا
للسهر والتعمق فى التفكير وإعتصار خلايا مخك للوصول إلى أعقد السبل فى
محاولة لإختلاق لغز كبيرومعقد, أما عن الالغاز نفسها فأنا لا أحبذ أبدا
الألغاز الكبيرة والمعقدة, فهناك بعض الأشخاص الذين يلجأون إلى التعقيد فقط
من أجل التعقيد, فهم يضعون التعقيد باللغزلأنهم يريدون سماع تلك الجملة
التى ترضى غرورهم - لم يتمكن أحد من حل اللغز الذى وضعته -, فهم يشعرون
بالهزيمة إذا ما توصل أحد إلى حل اللغز الذى وضعوه . التعقيد فى
اللغزلا يمثل عبقرية أبدا , والغريب أن القارىء هو من يصنع هذا التعقيد
بسبب أنه يلجأ إلى الحلول البعيدة فى بداية حله للغز, ولا يضع إحتمال أبدا
أن حل اللغز قد يكون فى منتهى البساطه . الألغاز ليس هدفها إختبار قدرة
الأشخاص على التفكير بقدرما تختبر قدرتهم على التخيل, لذلك نجد أن الأشخاص
إذا ما بدأوا فى حل أحد الالغاز فهم يبدأوا بأبعد الحلول وأصعب التخيلات,
ولا تجد أبدا شخصا واحدا يفكر فى الحلول البسيطة والقريبة, وهذا ما يلجأ
اليه السحرة على المسرح, فهم يقومون بتنفيذ خدعتهم أمام أعين الجميع ولا
يستطيع الحاضرين إكتشافها, لأنهم يدققون النظر فى ما هو أكبر من الخدعة
التى يقوم بها الساحر,ولأنهم يريدون أن يتم خداعهم!, وعلى ضوء ذلك فالساحر
يمكنه إخفاء فيل ضخم على المسرح وأمام أعين الحاضرين .....فقط بالتضليل.
الهدف من الألغاز هو التفكير, والتخيل كيف يكون الحل...يجب أن يعمل عقلك
بأقصى طاقاته لإستخراج الحل, ولكن يجب أن يكون تفكيرك تصاعديا ولا تهمل
الإحتمالات القريبة, أو التى تعتقد أنها بلا قيمة. هناك بعض الأمور
التى يصعب تخيلها, أو بمعنى أدق يصعب تخيل نتائجها, فمثلا نجد أن عنصرى
تكوين أى مصنع هما: العامل والمدير, ونجد أن المدير يجلس فى مكتبه يتمتع
بالراحة والهدوء بينما يقف العامل أمام الماكينة ليخرج الإنتاج, وفى
النهاية تجد أن المدير يحصل على أضعاف راتب العامل!...لا أنكر أن المدير
دوره مهم جدا فى تنظيم وإدارة المصنع, ولكن الذى يعطى الإنتاج هو العامل,
والذى يحمل المصنع على كتفيه هو العامل, فلماذا لا يتم تبادل الأدوار بينه
وبين المدير فى الجزء المتعلق بالراتب!..المصنع قد يعمل لبعض الوقت بدون
المدير, ولكنه لا يعمل لحظة واحدة بدون العامل. فتخيل معى لو أن جميع
العمال فى أحد المصانع قاموا بإضراب ليتم التسوية بينهم وبين مدرائهم!,-
هذا يحدث كثيرا -, ولكن دعنا نتوسع قليلا ونتخيل لو أن فئة معينة من العمال
- كالمعلميين أو المهندسيين - قاموا جميعا بإضراب فى الدولة بأكملها, حتى
يتم تلبية أحد مطالبهم!!, هذا أيضا قد يحدث. والآن أطلق لخيالك
العنان, وتخيل معى لو أن جميع أفراد الدولة بلا إستثناء قاموا بإضراب
جماعى, حتى يتم تقسيم ثروات البلاد بالقسطاس!!! هل يمكنك تخيل نتيجة
فعل كهذا؟!, هل يمكنك تخيل ما قد يحدث لو تم حرق جميع مكاتب السجلات
المدنية, والأشهر العقارية, ومبانى بطاقات الإئتمان؟!!!
أعلم أن هذا دربا من الخيال, ولكن تخيل...فقط تخيل, ما الذى قد يحدث فى هذه المواقف أو مواقف مشابهة.
الأمر ليس معقدا كما قد تتوقع, فقط سيحدث إنهيار...ضياع لكيان الدولة...هل
واجهتك مشكلة فى قول هذه الكلمة؟, لماذا إذا تحاول الخروج بعبارات فلسفية
تحاول وصف ما قد يحدث؟!...سيحدث إنهيار...فقط إنهيار. هذا هو المغزى من
الألغاز, تدفعك للتفكير فى إتجاهات بعيدة, بينما يكون الحل بين يديك, أنت
الذى تقوم بالإرتقاء باللغز إلى التعقيد, وتحاول البحث فى ما هو أبعد من
اللغز, وما هو أكبر من حدود تفكيرك نفسها.
حسنا...دعنا نحاول مرة أخرى: أين يمكنك العثور على الوجه الآخر للعملة؟!
هل يبدو السؤال غريبا, أو بلا معنى؟...لا ليس كذلك, ولكن السؤال يدفعك
للبحث عن شىء هو بين يديك فى الأساس, وهذا ما لا يجب أن تتجاهله أبدا إذا
ما أردت القيام بحل الألغاز, لا تتجاهل أبدا أن تكون الإجابة هى نفسها
السؤال؛ فأنت إن تجاهلت ذلك ستكون أشبه بمن يبحث عن الوجه الآخر للعملة,
ولكن حماسك سيجعلك تغفل أن الوجه الآخر للعملة ملصق على نفس الوجه من الجهة
المقابلة, أى أنه ليس فى أعماق البحار أو فى باطن الأرض...العثور عليه لن
يكلفك خطوة واحدة؛ فلماذا إذا تبحث فى ما هو أبعد؟!, ولماذا لا تطبق ذلك مع
عقلك؟!!
مرة أخرى أؤكد لك أن الألغاز لا تهتم مطلقا بالعمليات
الحسابية, أو الأرقام,...فقط تعتمد على التخيل...تخيل كيف يكون الحل قبل أن
تبدأ بالحل...هل أدركت الآن لماذا يشعر الناس بالإنبهار بعد أن يكشف
الساحر خدعته؟!...إنهم يشعرون بالإنبهار بسبب أن الساحر يذهب بعقولهم إلى
خارج القاعة, وعندما يعود, يكتشفوا أخيرا أنهم لم يبرحوا مكانهم, وإنما تم
التلاعب بعقولهم حتى بدت لهم خدعة الساحر أمرا مبهرا, وبالفعل يستغرقون بعض
الوقت لفهم ما حدث, ولكن فى الفترة التى يحاولون فيها فهم ما حدث, لا
يشعرون سوى بأن أعينهم متسعة عن آخرها, وفكهم السفلى متدلى لأسفل, وأيديهم
تصفق فى حرارة شديدة, وعندها يخلع الساحر قبعته, ويقوم بإنحناءة خفيفة,
وترتسم على شفتيه إبتسامة...ظافرة.
حاول مرة أخرى وستدرك مدى صحة كلماتى, وستدرك أن التعقيد لم يكن أبدا ليكون لغزا, وكيف أن العبقرية تكمن فى البساطة...كل البساطة.
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).
0 التعليقات: