اختطاف ..... بقلم الأديب / مصطفى رزق

* القطارات...واحدة من أكبر وسائل المواصلات وأكثرهم إستخداما, يتوافد عليها الملايين كل يوم, يحاول البعض تجنبها لإزدحامها, ويفضلها الكثيرون لإنخفاض تكلفتها, ويعتبرها الكثيرون آمنة...لكنى أعدكم أنها لن تكون كذلك...ليس بعد الآن. 
______________________________________________________

1- اختطاف
_________

" يصلنا على رصيف إسكندرية ديزل (903), فاخر بالحجز للاسكندرية, ويقف بمحطات كفر الزيات, إيتاى البارود, دمنهور, سيدى جابر..."
ترددت العبارة عبر مكبرات الصوت المنتشرة فى محطة (طنطا) فتأهب المسافرون للصعود للقطار فى تلك الساعة المبكرة من صباح اليوم, وتوجه أحد الأشخاص إلى أحد البائعين المنتشرين على رصيف المحطة ليشترى زجاجة مياه غازية, ودار بينهما حديث جانبى حتى وصل القطار, فتوجه إليه ووقف بمحاذاة الباب, ثم أشعل سيجارة وبدأ ينفث الدخان فى بطء رتيب, وبدأ الركّاب فى الصعود إلى القطار, ولكنه لم يفعل.. فقط ظلّ واقفا بجانب الباب, وعندما همّ أحد الأشخاص بالصعود استوقفه قائلا:
- معذرة, لقد اكتمل العدد.
نظر إليه الرجل بدهشة, فهو لم يكن أحد العاملين بالمحطة المعروفين بزيهم الرسمى, فقال له :
- ولكن هذا قطارى, يجب أن أصعد حتى أصل إلى عملى.
نظر إليه الرجل قبل أن يجيب:
- إذا صعدت إلى هذا القطار لن تصل إلى عملك, أقترح أن تستقل وسيلة أخرى.
أزاحه الرجل جانبا بيده وهو يقول فى غضب:
- ابتعد عن طريقى, لست فى مزاج للمزاح الآن.
إبتسم الرجل قليلا قبل أن يقول:
- هذا شأنك.
 ثم أشار إلى أحد العاملين فى المحطة إشارة ذات معنى خاص, ثم انتظر ليشاهده يقوم بفعل شىء ما فى قاطرة العربة الثالثة قبل أن يشير إليه بإتمام مهمته ليصعد بعدها إلى القطار, ثم ألقى السيجارة التى يحملها ودهسها بقدمه, وبعدها صعد القطار وأغلق الباب خلفه بكل هدوء, وآخر ما وقع عليه بصره قبل أن يغلق الباب كانت لوحة صغيرة معلقة على أحد الأعمدة ومكتوب عليها:
" سكك حديد مصر تتمنى لكم سفرا آمنا "


                                 **********

جلس (سعيد) أمام جهاز الكومبيوتر الخاص به فى مكتبه فى مبنى مراقبة حركة القطارات, وظلّ يتابع حركة القطارات على الشاشة, ويعمل على توجيهها وتحويلها إلى القضبان الخاصة بها, وبدا عمله فى غاية الملل؛ فهو يجلس ثمان ساعات يوميا أمام الكومبيوتر ليضغط بعض الأزرار, ورغم أنه يعلم أن عمله حساس جدا إذ أن أى خطأ ولو بسيط قد تكون نتيجته أرواح الكثيرين, إلا أنه وجد مللا شديدا فى عمله منعه من الإنسجام.

" ديزل (903) يستعد الآن للتحرك..."

هتف ( سعيد) بالعبارة قبل أن يضغط بضعة أزرار على الكومبيوتر ليعطى الضوء الأخضر للقطار بالتحرك, الذى تحرك بالفعل متجها نحو الإسكندرية.

" ما هذا العبث, ماذا يحدث..."

هتف (سعيد) بالعبارة فى دهشة؛ فأمامه على الشاشة كان القطار يتحرك بثلاث عربات فقط, أى أنه أقدم شخص ما على فصل العربات الأخرى عن القطار, فهتف عبر مكبر الصوت:
- قائد ديزل (903) يتوقف الآن...
كرر العبارة مرتين, ولكنه لم يتلق استجابة وظلّ القطار فى طريقه إلى أن وصل بالقرب من المخزن الخاص بالقطارات, ليتوقف هناك وتسكن حركته تماما.
لم يكن المخزن يبعد عن المحطة أكثر من كيلومتر واحد إلا بقليل, وعندما توقف القطار هناك ساد هدوء تام فى تلك المنطقة الخالية تقريبا من الأشخاص, وظهر الوضع على الشاشة أمام (سعيد) الذى أرسل عبر اللاسلكى:
- قائد ديزل (903) يقوم بتغيير مساره الآن عائدا إلى المحطة...أكرر.
إنتظر قليلا قبل أن يأتيه صوت عبر اللاسلكى يقول :
- أنا (عبد الوهاب مصطفى) أرغب فى التحدث إلى المسؤل هنا.
أجاب (سعيد) فى دهشة:
- (عبد الوهاب) من؟!, أين (حامد) قائد القطار؟
أتاه الصوت عبر اللاسلكى يحمل أطنانا من السخرية:
- معذرة, لقد نسيت أن أعرفك بنفسى, أنا القائد الحالى لديزل (903), وأرغب فى التحدث إلى المسؤل هنا؛ لأننى بكل بساطة قمت باختطاف القطار.
خرجت الكلمات متحشرجة من (سعيد) وهو يقول:
- اختطـ..ماذا تقول؟
صرخ (عبد الوهاب) بكل غضب:
- أعتقد أنك سمعتنى جيدا, لن أكرر حديثى مرة أخرى, أحضر لى المسؤل عن القطار الآن.
أجاب (سعيد) بصوت خافت:
- أعتـ..أعتقد أنك تتحدث معه الآن.
جاءه صوت (عبد الوهاب) هادىء هذه المرة وهو يقول:
- أها, حسنا يا صديقى ما إسمك؟
أجاب (سعيد) بتردد:
- إسمى (سعيد محمود), وأنا المسؤل عن القطار, لذا أرجوك إذا ما كنت تحاول العبث فأنصحك بألا...
قاطعه (عبد الوهاب) بصوت غاية فى الهدوء:
- وهل يبدو لك أننى أعبث.
تنحنح (سعيد) قبل أن يقول:
- أنا مضطر للإتصال بالشرطة, فأنصحك بالإنسحاب ولا تضع نفسك فى مأزق.
جاءه صوت (عبد الوهاب) ساخرا وهو يقول:
- ألم تتصل بهم حتى الآن, لقد تأخرت كثيرا, أكثر مما توقعت.
 ثم أردف قائلا بلهجة عجيبة:
- إفعل ذلك الآن ودع اللعبة تبدأ.
خيّل لـ(سعيد) أنه يتحدث مع مجنون, فكيف يقدم على إختطاف قطار ويتعامل مع الأمر بكل هذا الهدوء, وكأن الأمر لعبة كما وصفه منذ قليل, فرفع سماعة الهاتف وأجرى إتصالا بالشرطه يبلغهم فيه بما يحدث, ثم سأل (عبد الوهاب):
- حسنا, ماذا الآن؟
أجابه (عبد الوهاب) بهدوء مستفز:
- لا تتعجل الأمور ياصديقى, كل شىء سيكون على مايرام.
أجابه (سعيد) قائلا:
- أتمنى هذا, ولكن الذى تقوم به الآن يوحى بغير ذلك.
أجابه (عبد الوهاب) قائلا:
- هذا يتوقف على ردة فعلكم, وأنا عن نفسى سأحاول أن ينتهى الأمر سريعا ونظيفا.
لم يفهم (سعيد) عبارته الأخيرة, ولكنه تمتم فى خفوت:
- حسنا حسنا, أتمنى أن ينتهى الأمر كذلك.
                        
                                 **********

" كلا, لا يمكن أن ينتهى الأمر كذلك أبدا..."

انطلقت العبارة الغاضبة من بين شفتى أحد المسافرين الذين كانوا على متن العربات المفصولة  داخل مبنى مراقبة حركة القطارات, وحوله الجميع يحاولون تهدئته إلا أنه رفض بشده وهو يصرخ فيهم بكل غضب قائلا:
- أنتم لا تدركون مدى الخطأ الذى تسببتم به بتأخيركم لى, لقد أضعتم علي صفقة كبيرة كنت سأعقدها, وقد فشلت بسبب إهمالكم الفظيع...كيف تتركون القطار يتحرك بدون باقى العربات, ثم تقولون لى أن الأمر سينتهى على خير...لا لن يكون كذلك؛ لأننى لن أسكت وسأقاضيكم.
خرج خارج المبنى وهو مازال يطلق تهديداته ومستمر فى ثورته الغاضبة, بينما استدار (سعيد) عائدا إلى مكتبه, ثم جلس أمام شاشة الكومبيوتر يتابع الوضع مرة أخرى, ولم يكد يفعل حتى دخل شخص ممشوق القوام, يرتدى بدلة أنيقة ونظر إليه قبل أن يقول:
- أنا الظابط (أحمد على) من إدارة المباحث العامة...ماذا لديكم؟.
نظر إليه (سعيد) نظرة قلقة, قبل أن يقول فى توتر:
- أعتقد أننا نتعامل مع شخص مجنون
أشار إليه (سعيد) بالجلوس على أحد المقاعد ثم جلس يقصّ عليه ما حدث بالتفصيل, فأجابه قائلا:
- كلا, لا أعتقد ذلك, فالمجرمين عادة يمتلكون ذكاءً حادا, وإن كان مجنونا بالفعل سيكون هذا أخطر من نواجه, ولكننى أتعجب من أنه قد إختطف القطار فى تلك الساعة المبكرة, إلا أن يكون قد أعد للأمر منذ فترة طويلة, بالإضافة إلى أن يكون قد تلقى مساعدة.
 ثم سكت برهة قبل أن يضيف:
- داخلية.
 نظر إليه (سعيد) بدهشة قبل أن يقول:
- هل تقصد أن أحد العاملين هنا قد ساعده فى ذلك؟!
نهض (أحمد) ودار فى الحجرة وهو يقول:
- هذا إحتمال وارد, المهم الآن إتصل به لأننى أريد التحدث معه.
أجرى (سعيد) الإتصال بالقطار عبر اللاسلكى, وانتظر قليلا قبل أن يأتيه صوتا ساخرا:
- هنا قطارات (عبد الوهاب) لتوصيل الطلبات للمنازل, أى خدمة نقدمها لكم؟
نظر (سعيد) بدهشة إلى (أحمد) الذى هتف بدوره:
- حسنا...كفى ترّهات وأخبرنى من أنت وماذا تريد.
أجاب (عبد الوهاب) بسرعه:
- من المتحدث؟, عرّف عن نفسك.
مطّ (أحمد) شفتيه قبل أن يجيب:
- أنا الظابط (أحمد على) من الإدارة العامة, والذى...
قاطعه (عبد الوهاب) قائلا:
- معذرة, ولكننى لن أتحدث إلا لـ(سعيد).
رد (أحمد) بدهشة:
- لماذا؟!
أجابه (عبد الوهاب) بلهجة ساخرة:
- يمكنك أن تقول أننى قد ارتبطت به...عاطفيا .
ثم انفجر ضاحكا على نحو أثار غضب (أحمد), ولكنه تمالك أعصابه ليقول:
- يمكنك أن توجه حديثك لى, فأنا المسؤل الآن عن القضية, وقد...
قاطعه (عبد الوهاب) بصرخة غاضبة:
- كفى.
 ثم أردف بكلمات تقطر بالغضب والوحشية:
- هل تعتقد أنك فى وضع يسمح لك بإعطاء الأوامر, أنا فقط من يدير اللعبة.
وصل غضب (أحمد) إلى أقصى حد, ثم أشار إلى (سعيد) ليبدأ حديثه معه, فقال (سعيد) بكل توتر:
- أنا معك الآن يا سيدى.
أتاه صوت (عبد الوهاب) هادىء جدا على عكس المرة السابقة وهو يقول:
- أها, مرحى بصوت الصديق.
كانت التغيرات الحادة فى شخصية (عبد الوهاب) تثير حفيظة (أحمد) بدرجة كبيرة, فهو قد يتحدث بلهجة هادئة ولكنها فى لحظات تنقلب إلى غضب ويحدث العكس, مما جعله يفكر فى إحتمال (سعيد) بأن من يتعاملون معه شخص مجنون, أو مصاب بعقدة ما, ولكنه كتم مشاعره داخله ثم أشار لـ(سعيد) أن يسأله ماذا يريد.
نقل (سعيد) تساؤلات (أحمد), قبل أن يرد عليه (عبد الوهاب) قائلا:
- حسنا...بداية يجب أن أوضح لكم أمرا مهما, لقد استولينا على ثلاث عربات فقط من القطار حتى نستطيع إحكام السيطرة, والرهائن التى لدينا هنا ليست بالقليلة, ففى العربة الأولى لدينا سبع وعشرون رهينة وفى العربة الثانية لدينا عشرون رهينة وفى العربة الثالثة نحتفظ بثلاثة عشر رهينة, وفى كل عربة أضع ثلاثة من رجالى , وأؤكد لكم أننا نسيطر على الوضع تماما, لذا أنصحكم ألا تعبثوا معنا...وإلا فسوف تتحملون النتائج.
تعجب (أحمد) كثيرا من حديث (عبد الوهاب), فهو بكل بساطة يكشف عن موقعه وعدد الرهائن وعدد رجاله ومراكزهم و...

" أعلم أن حديثى يدهشك كثيرا أيها الظابط "

انطلقت العبارة تقطع أفكار (أحمد) مما جعل دهشته تصل إلى أقصى حد وهو يستمع إلى صوت (عبد الوهاب) الذى تابع قائلا:
- لا تتعجب كثيرا, فالمعلومات التى أخبرتك بها صحيحة, وقد فعلت ذلك توفيرا لوقتك, فأنا لا أحب تضييع الوقت فى الإجراءات الروتينية, ولأننى قد كشفت لك أوراقى فهذا سوف يكلفك ضريبة صغيرة...أحضر أحد عشر مليونا من الجنيهات من فئة المائتين بأرقام غير متسلسلة وغير قابلة للتبع هنا الآن...وأمامك مهلة من الزمن ساعتين فقط وسأبدأ بعدها فى قتل الرهائن.
هتف (أحمد) بدهشة:
- ساعتين!, لا يمكننا تحضير المال فى هذا الوقت القصير, كما أنـ..
قاطعه (عبد الوهاب) فى ثورة غاضبة:
- لقد قلت أننى لن أتحدث إلا لـ(سعيد), أنصحك بألا تفعل ذلك مرة أخرى, لأنك قد استنفذت مرات العفو, وأى خطأ سترتكبه مرة أخرى سيكون هناك عقاب.
أشار (أحمد) إلى (سعيد) بالتحدث وهو فى قمة غضبه, فنقل (سعيد) كل تساؤلات (أحمد) عبر اللاسلكى, وأتاه الرد من (عبد الوهاب) الذى قال:
- لقد أوضحت لكم فى البداية الأمور من جانبى, واختصرت وقتكم فى محاولة التعرف على وضعنا وعددنا, لذا فأنتم مضطرين الآن إلى إحضار المال فى ساعتين فقط.
هتف (سعيد) بسرعه:
- ولكن ساعتين زمن قصير جدا, نحتاج مهلة أكبر إلى لإعداد المال.
أجابه (عبد الوهاب) بهدوء:
- أعلم أنه زمن قصير جدا, ولكن بزيادة العقبات تزداد المتعة.
نظر (سعيد) إلى (أحمد) الذى وقف يستمع باهتمام إلى حديث (عبد الوهاب), فأجاب (سعيد) قائلا:
- نحن مهتمون جدا بتنفيذ مطالبك, ولكن هذا سيحتاج إلى وقت كبير كما أننا لا نملك السلطة لإحضار هذا المبلغ, فيجب أولا أن نتصل بالمجلس المحلى للمحافظة ليستطلعوا على الأمر, ثم يقومون بإعداد المال فى حال موافقتم على مطالبك, وهذا يعنى أننا سنحتاج مهلة أكبر من ساعتين.
جاءه صوت (عبد الوهاب) ساخرا وهو يقول:
- بل يعنى أنه يجب عليك التحرك الآن ولا تضيع المزيد من الوقت.
أجابه (سعيد) بسرعه:
- سنفعل, ولكنك تجعل الأمر مستحيلا, فأنت تطلـ...
قاطعه (عبد الوهاب) فجاة:
- هل تحاول مماطلتى؟
نظر (سعيد) إلى (أحمد) قبل أن يقول فى تردد وبصوت خافت:
- كلا, ولكننى أحاول توضـ...
قاطعه (عبد الوهاب) مرة أخرى:
- إجعلهم يتحركون اذا.
أجابه (سعيد) محاولا تهدئة الأمور:
- حسنا, ولكن بداية يجب أن...
قاطعه (عبد الوهاب) مرة أخرى بصوت غاضب:
- يبدوا أنكم فى حاجة إلى دفعة معنوية.
بُهت (سعيد) لجوابه ونظر إلى (أحمد) الذى ظهرت على وجهه علامات الدهشة, وتناهى إلى مسامعهم صوت (عبد الوهاب) عبر اللاسلكى وهو يأمر رجاله بإحضار رهينة, ثم صاح فيهم قائلا:
- سوف أعطيكم حافزا كبيرا, حتى تدركوا مدى جديتى.
 ثم صرخ فى الرهينة آمرا إياها بالحديث, فأتاهم صوتها الملتاع عبر اللاسلكى وهى تقول:
- أرجوكم إفعلوا شيئا, لا تدعوه يقتلنا...أنا عندى إبن فى السابعه من عمره, أرجوكم أنقـ...
قطع صراخها دوى رصاصة إنتفضت له أجساد الجميع, فنظروا إلى بعضهم فى ذهول, قبل أن يأتيهم صوت (عبد الوهاب) القاسى وهو يقول:
- أرجو أن يكون هذا الدرس كافيا لكم...أحضروا المال الآن, وإلا لن أطلق تهديدا واحدا بعد الآن...ودعونى أخبركم أننى رجل يلتزم بكلمته مهما حدث...إنتظروا إتصالى القادم.
أنهى (عبد الوهاب) الإتصال بينما حدّق (أحمد) و (سعيد) فى جهاز اللاسلكى غير مصدقين ما حدث, فعلى بعد أمتار قليلة منهم نقل إليهم اللاسلكى صوت رصاصة تردى أحد الرهائن, ليعلن بعدها عن وجود شخص خطير جدا يتحكم فى ستون رهينة وعلى استعداد لإبادتهم جميعا.

                                       *********
2- الفدية


 " كيف المخرج من هذا الجحيم؟ "

نطق (سعيد) بالعبارة وهو يجلس أمام شاشة الكومبيوتر, وأمامه جهاز اللاسلكى فى إنتظار إتصال قادم من (عبد الوهاب), وخيّم الصمت على المكان, حتى أن (أحمد) جلس صامتا ودفن وجهه بين كفيه, وبدا له الموقف معقد تماما؛ فهو لا يمكنه حتى الحديث مع خصمه, ولا يمهله وقت للتفكير.

" هل تعتقد أنه قتلها بالفعل؟ "

نطق (سعيد) بسؤاله ليقطع حاجز الصمت, فنظر إليه (أحمد) وقال:
- كلا, لا أعتقد ذلك, إنه فقط يضغط على أعصابنا. 
قال (سعيد) فى قلق:
- ولكننا سمعنا صوت الرصاصة واضحا, وصرخاتها خمدت فى نفس اللحظة التى إنطلقت فيها الرصاصة.
أجاب (أحمد) فى قلق:
- لا..لا يمكن أن يكون قد فعلها, فهذه ستكون أكبر حماقة قد يرتكبها, فهو بذلك سينتقل من جريمة السرقة والإختطاف إلى القتل العمد, أى أنه سيضع نفسه فى مأزق أكبر.
قال (سعيد) بكل توتر:
- يبدو لى من لهجته أنه لا يهتم, ولكن ماذا نفعل الآن؟
نهض (أحمد) وهو يقول:
- لن نقف هكذا مكتوفى الأيدى, سوف أبدأ فى محاصرتهم الآن. 
ثم رفع هاتفه وطلب رقما ما, وانتظر قليلا قبل أن يقول للشخص الذى على الطرف الآخر:
- أحضر فرقة قناصة واجعلهم يتخذون مواقعهم أعلى الكوبرى العلوى...
هتف (سعيد) فى قلق وهو يقاطعه:
- ولكن هذا قد يسبب مشاكل كبيرة, فكما هو واضح من شخصيته لن يسمح لنا بفعل ذلك, وقد يقتل رهائن أخرى, كما أنك تقوم بتصعيد الأمور بشكل كبير جدا.
انتظر قليلا قبل أن يستطرد مرة أخرى:
- أنا أقدر موقفك تماما, ولا أرغب فى التدخل فى عملك, ولكن يجب ألا تغفل أنك تريد محاصرة محطة القطار, ولتعلم أن القطارات هى أحد مصادر الدخل القومى الكبيرة, والتى تعد أرخص وسائل المواصلات وأكثرها أمانا...فهل تتخيل أنه قد يُقدم راكب واحد على استقلالها مرة أخرى, بعد أن يصل الأمر لتصعيد حالة إختطاف لقطار ومحاصرة المحطة, ووجود فرقة كاملة للقناصة؟!
نظر إليه (أحمد) قليلا وهو يفكر فى كلماته قبل أن يقول:
- حسنا, سنحاول إنهاء الأمور فى سرية, ولكن يجب أن تساعدنى فى هذا.
سأله (سعيد) فى لهفة واضحة:
- كيف؟؟
أجابه (أحمد) على الفور:
- قم بغلق هذا المكتب ولا تدع أحدا يقترب من هنا, واعط أمرا لباقى الموظفين بمتابعة أعمالهم بصورة طبيعية, واعلن أن الأمر مجرد خطأ أو عطل فنى فى القطار وجارى إصلاحه.
قام (سعيد) بتنفيذ أوامره على الفور ودون مناقشة, بينما التقط (أحمد) هاتفه مره أخرى ليتابع:
- حسنا يا (حسام), قم بإلغاء مهمة فرقة القناصة, وإذهب إلى المجلس المحلى للمحافظة وإجعلهم يحضّرون المال فى أسرع وقت, وأرسل أمرا للقوات أن تحاصر مخزن القطارات بدائرة نصف قطرها مائة متر على الأقل, ولا يحاول أحد التقدم إلا بإشارتى.
أنهى الإتصال والتفت إلى (سعيد) يسأله:
- هل هناك وسيلة للوصول إلى ذلك الوغد؟
تنحنح (سعيد) قبل أن يجيب:
- لست أدرى كيف تريد منى مساعدتك!
هتف (أحمد) بنبرة صوت متصاعدة:
- أسألك عن أى وسيلة للوصول إلى هناك, هل هناك أنفاق أو طرق تؤدى للصول إليهم؟
هزّ (سعيد) رأسه نفيا وهو يقول:
- للأسف, كلا ياسيدى, فالبقعة التى بها مخزن القطارات خالية من أى مبانى كما أنها فى مكان واسع بعيد عن الطرق, باستثناء الجانب الشرقى الذى يطل على طريق المحطة, ولكن لا يمكنك الوصول إلى هناك دون أن يكشفوا أمرك.
هتف (أحمد) فى دهشة:
- عجبا, ليس من العادة أن يحتمى المجرم بمكان مكشوف كهذا!.
ثم هتف فى يأس:
- ما يحنقنى هو أننى لا يمكننى التحدث معه, بل حتى لم أرى وجهه حتى الآن, كيف أستطيع مواجهته وأنا لا أعلـ...

" كاميرات المراقبة.."

هتف (سعيد) بالعبارة فى إنفعال ليقطع حديث (أحمد) الذى إلتفت إليه متسائلا:
- أى كاميرات تقصد؟!
هتف (سعيد) فى حماس:
- كاميرات المراقبة التى وضعناها على القطارات...يمكننا رؤيتهم من خلالها.
نظر إليه (أحمد) فى دهشة وإستنكار فتابع موضحا:
- بعد أن كثرت حوادث القطارات فى الآونة الاخيرة, قمنا بوضع نظام مراقبة فى القطارات ليسمح لنا بمعرفة ما حدث قبل الحادث, وذلك بعد أن نادت الأصوات بأن العامليين فى القطار هم من يتسببون فى الحادث بسبب إهمالهم.
سأله (أحمد) فى إهتمام:
- هل تقصد أنه يمكننا رؤية ما يدور بداخل العربات المخطوفة الآن؟
أجابه (سعيد) بكل حماس: 
- نعم.
ثم إلتفت إلى جهاز الكومبيوتر ليضغط أزراره و(أحمد) يسأله فى إهتمام:
- هل هذا النظام مطبق على جميع القطارات؟
أجابه (سعيد) وهو يهز رأسه نفيا:
- كلا بالطبع, فقط على القطارات المهمة, كالقطارات السريعة والمكيفة.
سأله (أحمد) فى حدة:
- ولماذا لم تخبرنى بذلك مسبقا؟
أجابه (سعيد) وهو يواصل فتح كاميرات المراقبة:
- معذرة, ولكن صدمة الحادث المفاجئة جعلتنى غير منتبه لذلك.
سأله (أحمد) بإهتمام:
- اذا أنتم تضعون نظام مراقبة على القطارات, هل هذا يعنى أن العاملين على متن القطار يعلمون بأنهم مراقبون؟
أجابه (سعيد):
- كلا بالتأكيد حتى يمكنهم مواصلة عملهم بدون توتر
ثم صمت لحظات قبل أن يضيف:
- مما يعنى أيضا أنهم لن يعلموا أننا نشاهدهم.
سأله (أحمد) بدهشة:
- ولماذا تعرف أنت بهذا النظام؟!
أجابه (سعيد) وهو يضغط زرا أخيرا:
- هذا جزء من إختصاصى.
ومع نهاية عبارته تم تفعيل نظام المراقبة, ونقلت الشاشة ما يدور داخل العربات الثلاثة, فهناك كانت جميع الرهائن جالسين على الأرض ويقف عليهم رجال (عبد الوهاب) بأسلحتهم, بينما انزوى أحدهم بعيدا وهو ممسك فى يده جهاز اللاسلكى...

" ياإلهى...لقد فعلها "

هتف (سعيد) بالعبارة وهو يشير إلى نقطة معينة على الشاشة, واتسعت أعينهم  جميعا وهم يحدقون فى الشاشة, فهناك وحيث أشار (سعيد) كانت ترقد جثة الفتاة التى أطلق عليها (عبد الوهاب) الرصاص وأصابها فى صدرها مباشرة.
وتبادل (أحمد) و (سعيد) نظرات ذهول ورعب, فهم قد تأكدوا تماما أنهم أمام شخص خطير جدا...ومجنون.


                                     *********

" حسنا, ماذا قررتم الآن... "

إنطلقت العبارة بصوت (عبد الوهاب) عبر اللاسلكى, فالتفت إليه (أحمد) وأشار إلى (سعيد) أن يبدأ مجاراته فى الحديث فهتف قائلا:
- نحن نعد المال بالفعل, ولكن أرجوك لا تقدم على أى عمل متهور, سوف ننفذ كل مطالبك, ولكن أرجوك لا مزيد من الدماء.
إنطلقت ضحكة ساخرة من (عبد الوهاب) قبل أن يرد قائلا:
- ولم التجهم؟, إنهم مجرد ستون شخصا!
رد عليه (سعيد) فى دهشة:
- مجرد!, حتى ولو شخصا واحدا, الروح لا يمكن تقييمها.
أجابه (عبد الوهاب) بتهكم شديد:
- هل تعلم كم عدد الأشخاص الذين يموتون سنويا بسبب التدخين والإدمان؟, وكم عدد الأشخاص الذين يموتون جوعا؟, وكم عدد الأشخاص الذين يلقون حتفهم فى حوادث الطرق يوميا؟...هل تدرك هذه الأرقام جيدا؟, إذا أنت تدرك قيمة الروح جيدا لماذا لم تهتم بأرواح هؤلاء؟
إبتلع (سعيد) غصّة فى حلقة قبل أن يقول:
- هؤلاء كانت لديهم أقدار لا يمكن تغييرها, كما أنهم من إختاروا طريقهم بأنفسهم, ولكن أنت لا يمكنك أن تحكم على أى شخص بالموت, وليس لك الحق فى قتله بدون وجه حق حتى ولو كان فاسدا.
أجاب (عبد الوهاب) بكل هدوء:
- فلسفة سخيفة...تعددت الطرق والموت واحد.
أراد (سعيد) تهدئة الأجواء حتى يتفادى أى حركة حمقاء قد يقوم بها (عبد الوهاب) فقال:
- حسنا, لن أجادلك فى هذا الأمر, نحن فقط نطلب أن تمد لنا المهلة الزمنية حتى نستطيع إحضار المال المطلوب.
جاء صوت (عبد الوهاب) مخيفا وهو يقول:
- يبدوا أنكم لم تستوعبوا الدرس جيدا, أنا لن أزيدكم دقيقة واحدة.
ثم أضاف قائلا:
- لا تتحدث إلا أن يكون لديك شيئا مهما.
 ثم أنهى الإتصال, صمت (أحمد) بضع لحظات ثم قال لـ(سعيد):
- هل يمكنك تثبيت الصورة على وجهه؟
أجابه (سعيد):
- بكل تأكيد.
وقرن قوله بالفعل, ثم ثبت الصورة على وجه (عبد الوهاب), لم تكن الصورة واضحة بدرجة كبيرة, ولكنها كانت كافية للتعرف على الوجه, فقال (أحمد):
- حسنا لا بأس, إطبع لى هذه الصورة الآن.

" ألم أخبركم أنكم لم تستوعبوا الدرس... "

إنطلقت العبارة بصوت (عبد الوهاب) فالتفت (أحمد) و (سعيد) إلى جهاز اللاسلكى, وأجاب (سعيد) متسائلا فى دهشة:
- ماذا هناك؟!
أجاب (عبد الوهاب) بصوت وحشى:
- أنا أردت أن يكون الأمر سريعا ونظيفا, ولكنكم تريدون أن تظهروا فى الصورة كأبطال...أرى أن قوات الشرطة بدأت فى محاصرة المكان.
ثم أضاف بلهجة قاسية:
- وهذا غير مقبول.
ثم ظهر أمامهم على الشاشة وهو يشير إلى أحد رجاله بإحضار رهينة وصوب سلاحه إلى صدره قبل أن يتابع قائلا:
- أخبر صديقك أن أمامه مهلة سبع ثوان ليصدر الأمر بإنسحاب القوات وإلا خسر رهينة أخرى.
أجاب (سعيد) بسرعه:
- حسنا حسنا, سيفعل ولكن أرجوك لا تقتله.
جاء صوت (عبد الوهاب) باردا وهو يقول:
- سيفعل, ولكن هذا لا يعفيه من العقاب.
ثم أطلق النار مباشرة على صدر الرجل فانطلقت الرهائن الأخرى تصرخ فى فزع, كانت الكاميرات لا تنقل الصوت ولكن الصور كانت تكشف تماما عن مدى الرعب الذى هم فيه, وأمام أعين (أحمد) سقط  الرجل بلا حراك, وكان هذا أكبر مما يتحمله, فصرخ قائلا:
- أيها الوحش السادى, كيف يمكنك أن تقتل الرهائن هكذا بكل برود؟!, كيف تعتقد أننا سننفذ لك مطالبك إذا استمررت فى قتلهم!, نحن ننفذ لك مطالبك فقط حتى لا تفعل ذلك.
أتاه صوت (عبد الوهاب) أكثر برودا وهو يقول:
- سأغفر لك خطأك هذه المرة لأننى أريد أن أعقّب على حديثك...قتلى للرهائن لن يمنعكم من تنفيذ مطالبى, لأننى سأستمر فى قتلهم إذا لم يتم إحضار المال, أنتم فقط سوف تحضرون المال لكى تقللوا عدد القتلى...ولكن إذا لم تفعلوا؛ فالحصيلة سترتفع.
ثم أنهى الإتصال دون أن يضيف كلمة واحدة أخرى, فأسرع (أحمد) يلتقط جوّاله ليجرى إتصالا ويهتف قائلا:
- جميع القوات تنسحب الآن...أكرر.
ثم أغلق الإتصال, وأجرى إتصالا هاتفيا أخر, وانتظر قليلا حتى تم توصيله بالطرف الآخر فهتف قائلا:
- أحضر المال بسرعه يا (حسام), فهذا الوغد سوف يقوم بمذبحة.
إنتظر قليلا ليستمع إلى رده قبل أن يصرخ فى ثورة غاضبة:
- تبا لهم جميعا, علينا أن ننقذ الرهائن أولا فهذا الوغد يطلق عليهم النار بلا مبالاة...أخبرهم أننى المسؤل عن المال...إفعل ذلك الآن وإلا ستكون النتائج كارثية...أحضر المال فى غضون عشر دقائق على الأكثر, لأن المهلة أوشكت على النفاد وأنا لا أرغب فى معرفة ماسيقدم عليه هذا المجنون حينها.
ثم أنهى الإتصال وهو يزفر فى قوة فى محاولة للسيطرة على أعصابه, ثم إلتقط صورة (عبد الوهاب) المطبوعة وأدخلها فى جهاز الفاكس الملحق بالكمبيوتر ليرسلها إلى جهة معينة وهو يقول:
- دعنا نتعرف عليك أيها الوغد.
لم تمض بعدها أكثر من خمسة عشر دقيقة حتى دخل (حسام) وهو يلهث من فرط الإنفعال:
- لقد أحضرت المال, لقد أقنعتهم بصعوبة بالغة.
ثم إلتفت إلى (أحمد) قائلا:
- مدير الإدارة يطلب منك الإتصال به قبل أن تبدأ تسليم المال.
هتف (أحمد) بكل غضب:
- فليذهب إلى الجحيم.
ثم إلتفت إلى (سعيد) قائلا:
- أجرِ إتصالك به وأخبره أننا أحضرنا المال.
نفذ (سعيد) مطلب (أحمد) وانتظر قليلا قبل أن يرد عليه (عبد الوهاب) قائلا:
- حسنا ضع الأموال على عربة صغيرة تسير على القضبان, وأحضرها إلى وحدك.
نظر (سعيد) إلى (أحمد) فى دهشة, بينما تابع (عبد الوهاب) قائلا:
- أعتقد أننى واضح جدا, فقط (سعيد) هو من يحضر المال وحده, وإذا حاولتم القيام بدور الأبطال أنتم تعلمون جيدا ما سيحدث.
اندفع (أحمد) يسأله:
- ماذا عن الرهائن؟, لقد حصلت على المال, ماذا عن الرهائن, كيف ستخلى سبيلهم.
جاء صوت (عبد الوهاب) هادئا وهو يقول:
- حسنا, سوف أكسر القاعدة وأبدأ فى الحديث معك, سوف أخلى سبيل الرهائن بعد حصولى على المال وأؤكد لك مرة أخرى أننى رجل يلتزم بكلمته مهما حدث, وأنصحك ألا تحاول القيام بدور الأبطال, لأن هذا لن يفيدك عندما أزين جبهتك برصاصة صغيرة.
اندفع (أحمد) يسأله مرة أخرى:
- هناك نقطة تثير حيرتى, هل يمكنكك توضيحها لى؟
أتاه صوت (عبد الوهاب) ودودا وهو يقول:
- على الرحب والسعة.
قال (أحمد) بسرعه:
- لماذا طلبت مبلغ أحد عشر مليونا؟, لماذا هذا الرقم بالذات, كان من البديهى أن تطلب عشرة ملايين وليس أحد عشر مليونا!!
إنطلقت ضحكة صغيرة من بين شفتى (عبد الوهاب) وهو يقول:
- يمكنك أن تقول أننى أفضل الأرقام الفردية.
ثم سكت لحظة قبل أن يقول بلهجة عجيبة:
- أخبرنى أيها الظابط, هل شاهدت فيلم (taking of Pelham 123) ؟
تفجرت الدهشة فى وجه (أحمد) وبدا ذلك واضحا فى صوته وهو يقول:
- وما علاقة ذلك بموقفنا الآن؟!
أجابه (عبد الوهاب) بصوت يحمل المزيج من السخرية والغموض:
- لا علاقة مطلقا, غيرَ أن هذا فيلم لم تعجبنى نهايته.
ثم توجه إلى (سعيد) بحديثه قائلا:
- أحضر المال الآن.

يُتبع.....
اختطاف
 
بقلم / مصطفى رزق


 القطارات...واحدة من أكبر وسائل المواصلات وأكثرهم إستخداما, يتوافد عليها الملايين كل يوم, يحاول البعض تجنبها لإزدحامها, ويفضلها الكثيرون لإنخفاض تكلفتها, ويعتبرها الكثيرون آمنة...لكنى أعدكم أنها لن تكون كذلك...ليس بعد الآن.
______________________________________________________

1- اختطاف
_________

" يصلنا على رصيف إسكندرية ديزل (903), فاخر بالحجز للاسكندرية, ويقف بمحطات كفر الزيات, إيتاى البارود, دمنهور, سيدى جابر..."
ترددت العبارة عبر مكبرات الصوت المنتشرة فى محطة (طنطا) فتأهب المسافرون للصعود للقطار فى تلك الساعة المبكرة من صباح اليوم, وتوجه أحد الأشخاص إلى أحد البائعين المنتشرين على رصيف المحطة ليشترى زجاجة مياه غازية, ودار بينهما حديث جانبى حتى وصل القطار, فتوجه إليه ووقف بمحاذاة الباب, ثم أشعل سيجارة وبدأ ينفث الدخان فى بطء رتيب, وبدأ الركّاب فى الصعود إلى القطار, ولكنه لم يفعل.. فقط ظلّ واقفا بجانب الباب, وعندما همّ أحد الأشخاص بالصعود استوقفه قائلا:
- معذرة, لقد اكتمل العدد.
نظر إليه الرجل بدهشة, فهو لم يكن أحد العاملين بالمحطة المعروفين بزيهم الرسمى, فقال له :
- ولكن هذا قطارى, يجب أن أصعد حتى أصل إلى عملى.
نظر إليه الرجل قبل أن يجيب:
- إذا صعدت إلى هذا القطار لن تصل إلى عملك, أقترح أن تستقل وسيلة أخرى.
أزاحه الرجل جانبا بيده وهو يقول فى غضب:
- ابتعد عن طريقى, لست فى مزاج للمزاح الآن.
إبتسم الرجل قليلا قبل أن يقول:
- هذا شأنك.
ثم أشار إلى أحد العاملين فى المحطة إشارة ذات معنى خاص, ثم انتظر ليشاهده يقوم بفعل شىء ما فى قاطرة العربة الثالثة قبل أن يشير إليه بإتمام مهمته ليصعد بعدها إلى القطار, ثم ألقى السيجارة التى يحملها ودهسها بقدمه, وبعدها صعد القطار وأغلق الباب خلفه بكل هدوء, وآخر ما وقع عليه بصره قبل أن يغلق الباب كانت لوحة صغيرة معلقة على أحد الأعمدة ومكتوب عليها:
" سكك حديد مصر تتمنى لكم سفرا آمنا "

**********

جلس (سعيد) أمام جهاز الكومبيوتر الخاص به فى مكتبه فى مبنى مراقبة حركة القطارات, وظلّ يتابع حركة القطارات على الشاشة, ويعمل على توجيهها وتحويلها إلى القضبان الخاصة بها, وبدا عمله فى غاية الملل؛ فهو يجلس ثمان ساعات يوميا أمام الكومبيوتر ليضغط بعض الأزرار, ورغم أنه يعلم أن عمله حساس جدا إذ أن أى خطأ ولو بسيط قد تكون نتيجته أرواح الكثيرين, إلا أنه وجد مللا شديدا فى عمله منعه من الإنسجام.

" ديزل (903) يستعد الآن للتحرك..."

هتف ( سعيد) بالعبارة قبل أن يضغط بضعة أزرار على الكومبيوتر ليعطى الضوء الأخضر للقطار بالتحرك, الذى تحرك بالفعل متجها نحو الإسكندرية.

" ما هذا العبث, ماذا يحدث..."

هتف (سعيد) بالعبارة فى دهشة؛ فأمامه على الشاشة كان القطار يتحرك بثلاث عربات فقط, أى أنه أقدم شخص ما على فصل العربات الأخرى عن القطار, فهتف عبر مكبر الصوت:
- قائد ديزل (903) يتوقف الآن...
كرر العبارة مرتين, ولكنه لم يتلق استجابة وظلّ القطار فى طريقه إلى أن وصل بالقرب من المخزن الخاص بالقطارات, ليتوقف هناك وتسكن حركته تماما.
لم يكن المخزن يبعد عن المحطة أكثر من كيلومتر واحد إلا بقليل, وعندما توقف القطار هناك ساد هدوء تام فى تلك المنطقة الخالية تقريبا من الأشخاص, وظهر الوضع على الشاشة أمام (سعيد) الذى أرسل عبر اللاسلكى:
- قائد ديزل (903) يقوم بتغيير مساره الآن عائدا إلى المحطة...أكرر.
إنتظر قليلا قبل أن يأتيه صوت عبر اللاسلكى يقول :
- أنا (عبد الوهاب مصطفى) أرغب فى التحدث إلى المسؤل هنا.
أجاب (سعيد) فى دهشة:
- (عبد الوهاب) من؟!, أين (حامد) قائد القطار؟
أتاه الصوت عبر اللاسلكى يحمل أطنانا من السخرية:
- معذرة, لقد نسيت أن أعرفك بنفسى, أنا القائد الحالى لديزل (903), وأرغب فى التحدث إلى المسؤل هنا؛ لأننى بكل بساطة قمت باختطاف القطار.
خرجت الكلمات متحشرجة من (سعيد) وهو يقول:
- اختطـ..ماذا تقول؟
صرخ (عبد الوهاب) بكل غضب:
- أعتقد أنك سمعتنى جيدا, لن أكرر حديثى مرة أخرى, أحضر لى المسؤل عن القطار الآن.
أجاب (سعيد) بصوت خافت:
- أعتـ..أعتقد أنك تتحدث معه الآن.
جاءه صوت (عبد الوهاب) هادىء هذه المرة وهو يقول:
- أها, حسنا يا صديقى ما إسمك؟
أجاب (سعيد) بتردد:
- إسمى (سعيد محمود), وأنا المسؤل عن القطار, لذا أرجوك إذا ما كنت تحاول العبث فأنصحك بألا...
قاطعه (عبد الوهاب) بصوت غاية فى الهدوء:
- وهل يبدو لك أننى أعبث.
تنحنح (سعيد) قبل أن يقول:
- أنا مضطر للإتصال بالشرطة, فأنصحك بالإنسحاب ولا تضع نفسك فى مأزق.
جاءه صوت (عبد الوهاب) ساخرا وهو يقول:
- ألم تتصل بهم حتى الآن, لقد تأخرت كثيرا, أكثر مما توقعت.
ثم أردف قائلا بلهجة عجيبة:
- إفعل ذلك الآن ودع اللعبة تبدأ.
خيّل لـ(سعيد) أنه يتحدث مع مجنون, فكيف يقدم على إختطاف قطار ويتعامل مع الأمر بكل هذا الهدوء, وكأن الأمر لعبة كما وصفه منذ قليل, فرفع سماعة الهاتف وأجرى إتصالا بالشرطه يبلغهم فيه بما يحدث, ثم سأل (عبد الوهاب):
- حسنا, ماذا الآن؟
أجابه (عبد الوهاب) بهدوء مستفز:
- لا تتعجل الأمور ياصديقى, كل شىء سيكون على مايرام.
أجابه (سعيد) قائلا:
- أتمنى هذا, ولكن الذى تقوم به الآن يوحى بغير ذلك.
أجابه (عبد الوهاب) قائلا:
- هذا يتوقف على ردة فعلكم, وأنا عن نفسى سأحاول أن ينتهى الأمر سريعا ونظيفا.
لم يفهم (سعيد) عبارته الأخيرة, ولكنه تمتم فى خفوت:
- حسنا حسنا, أتمنى أن ينتهى الأمر كذلك.

**********

" كلا, لا يمكن أن ينتهى الأمر كذلك أبدا..."

انطلقت العبارة الغاضبة من بين شفتى أحد المسافرين الذين كانوا على متن العربات المفصولة داخل مبنى مراقبة حركة القطارات, وحوله الجميع يحاولون تهدئته إلا أنه رفض بشده وهو يصرخ فيهم بكل غضب قائلا:
- أنتم لا تدركون مدى الخطأ الذى تسببتم به بتأخيركم لى, لقد أضعتم علي صفقة كبيرة كنت سأعقدها, وقد فشلت بسبب إهمالكم الفظيع...كيف تتركون القطار يتحرك بدون باقى العربات, ثم تقولون لى أن الأمر سينتهى على خير...لا لن يكون كذلك؛ لأننى لن أسكت وسأقاضيكم.
خرج خارج المبنى وهو مازال يطلق تهديداته ومستمر فى ثورته الغاضبة, بينما استدار (سعيد) عائدا إلى مكتبه, ثم جلس أمام شاشة الكومبيوتر يتابع الوضع مرة أخرى, ولم يكد يفعل حتى دخل شخص ممشوق القوام, يرتدى بدلة أنيقة ونظر إليه قبل أن يقول:
- أنا الظابط (أحمد على) من إدارة المباحث العامة...ماذا لديكم؟.
نظر إليه (سعيد) نظرة قلقة, قبل أن يقول فى توتر:
- أعتقد أننا نتعامل مع شخص مجنون
أشار إليه (سعيد) بالجلوس على أحد المقاعد ثم جلس يقصّ عليه ما حدث بالتفصيل, فأجابه قائلا:
- كلا, لا أعتقد ذلك, فالمجرمين عادة يمتلكون ذكاءً حادا, وإن كان مجنونا بالفعل سيكون هذا أخطر من نواجه, ولكننى أتعجب من أنه قد إختطف القطار فى تلك الساعة المبكرة, إلا أن يكون قد أعد للأمر منذ فترة طويلة, بالإضافة إلى أن يكون قد تلقى مساعدة.
ثم سكت برهة قبل أن يضيف:
- داخلية.
نظر إليه (سعيد) بدهشة قبل أن يقول:
- هل تقصد أن أحد العاملين هنا قد ساعده فى ذلك؟!
نهض (أحمد) ودار فى الحجرة وهو يقول:
- هذا إحتمال وارد, المهم الآن إتصل به لأننى أريد التحدث معه.
أجرى (سعيد) الإتصال بالقطار عبر اللاسلكى, وانتظر قليلا قبل أن يأتيه صوتا ساخرا:
- هنا قطارات (عبد الوهاب) لتوصيل الطلبات للمنازل, أى خدمة نقدمها لكم؟
نظر (سعيد) بدهشة إلى (أحمد) الذى هتف بدوره:
- حسنا...كفى ترّهات وأخبرنى من أنت وماذا تريد.
أجاب (عبد الوهاب) بسرعه:
- من المتحدث؟, عرّف عن نفسك.
مطّ (أحمد) شفتيه قبل أن يجيب:
- أنا الظابط (أحمد على) من الإدارة العامة, والذى...
قاطعه (عبد الوهاب) قائلا:
- معذرة, ولكننى لن أتحدث إلا لـ(سعيد).
رد (أحمد) بدهشة:
- لماذا؟!
أجابه (عبد الوهاب) بلهجة ساخرة:
- يمكنك أن تقول أننى قد ارتبطت به...عاطفيا .
ثم انفجر ضاحكا على نحو أثار غضب (أحمد), ولكنه تمالك أعصابه ليقول:
- يمكنك أن توجه حديثك لى, فأنا المسؤل الآن عن القضية, وقد...
قاطعه (عبد الوهاب) بصرخة غاضبة:
- كفى.
ثم أردف بكلمات تقطر بالغضب والوحشية:
- هل تعتقد أنك فى وضع يسمح لك بإعطاء الأوامر, أنا فقط من يدير اللعبة.
وصل غضب (أحمد) إلى أقصى حد, ثم أشار إلى (سعيد) ليبدأ حديثه معه, فقال (سعيد) بكل توتر:
- أنا معك الآن يا سيدى.
أتاه صوت (عبد الوهاب) هادىء جدا على عكس المرة السابقة وهو يقول:
- أها, مرحى بصوت الصديق.
كانت التغيرات الحادة فى شخصية (عبد الوهاب) تثير حفيظة (أحمد) بدرجة كبيرة, فهو قد يتحدث بلهجة هادئة ولكنها فى لحظات تنقلب إلى غضب ويحدث العكس, مما جعله يفكر فى إحتمال (سعيد) بأن من يتعاملون معه شخص مجنون, أو مصاب بعقدة ما, ولكنه كتم مشاعره داخله ثم أشار لـ(سعيد) أن يسأله ماذا يريد.
نقل (سعيد) تساؤلات (أحمد), قبل أن يرد عليه (عبد الوهاب) قائلا:
- حسنا...بداية يجب أن أوضح لكم أمرا مهما, لقد استولينا على ثلاث عربات فقط من القطار حتى نستطيع إحكام السيطرة, والرهائن التى لدينا هنا ليست بالقليلة, ففى العربة الأولى لدينا سبع وعشرون رهينة وفى العربة الثانية لدينا عشرون رهينة وفى العربة الثالثة نحتفظ بثلاثة عشر رهينة, وفى كل عربة أضع ثلاثة من رجالى , وأؤكد لكم أننا نسيطر على الوضع تماما, لذا أنصحكم ألا تعبثوا معنا...وإلا فسوف تتحملون النتائج.
تعجب (أحمد) كثيرا من حديث (عبد الوهاب), فهو بكل بساطة يكشف عن موقعه وعدد الرهائن وعدد رجاله ومراكزهم و...

" أعلم أن حديثى يدهشك كثيرا أيها الظابط "

انطلقت العبارة تقطع أفكار (أحمد) مما جعل دهشته تصل إلى أقصى حد وهو يستمع إلى صوت (عبد الوهاب) الذى تابع قائلا:
- لا تتعجب كثيرا, فالمعلومات التى أخبرتك بها صحيحة, وقد فعلت ذلك توفيرا لوقتك, فأنا لا أحب تضييع الوقت فى الإجراءات الروتينية, ولأننى قد كشفت لك أوراقى فهذا سوف يكلفك ضريبة صغيرة...أحضر أحد عشر مليونا من الجنيهات من فئة المائتين بأرقام غير متسلسلة وغير قابلة للتبع هنا الآن...وأمامك مهلة من الزمن ساعتين فقط وسأبدأ بعدها فى قتل الرهائن.
هتف (أحمد) بدهشة:
- ساعتين!, لا يمكننا تحضير المال فى هذا الوقت القصير, كما أنـ..
قاطعه (عبد الوهاب) فى ثورة غاضبة:
- لقد قلت أننى لن أتحدث إلا لـ(سعيد), أنصحك بألا تفعل ذلك مرة أخرى, لأنك قد استنفذت مرات العفو, وأى خطأ سترتكبه مرة أخرى سيكون هناك عقاب.
أشار (أحمد) إلى (سعيد) بالتحدث وهو فى قمة غضبه, فنقل (سعيد) كل تساؤلات (أحمد) عبر اللاسلكى, وأتاه الرد من (عبد الوهاب) الذى قال:
- لقد أوضحت لكم فى البداية الأمور من جانبى, واختصرت وقتكم فى محاولة التعرف على وضعنا وعددنا, لذا فأنتم مضطرين الآن إلى إحضار المال فى ساعتين فقط.
هتف (سعيد) بسرعه:
- ولكن ساعتين زمن قصير جدا, نحتاج مهلة أكبر إلى لإعداد المال.
أجابه (عبد الوهاب) بهدوء:
- أعلم أنه زمن قصير جدا, ولكن بزيادة العقبات تزداد المتعة.
نظر (سعيد) إلى (أحمد) الذى وقف يستمع باهتمام إلى حديث (عبد الوهاب), فأجاب (سعيد) قائلا:
- نحن مهتمون جدا بتنفيذ مطالبك, ولكن هذا سيحتاج إلى وقت كبير كما أننا لا نملك السلطة لإحضار هذا المبلغ, فيجب أولا أن نتصل بالمجلس المحلى للمحافظة ليستطلعوا على الأمر, ثم يقومون بإعداد المال فى حال موافقتم على مطالبك, وهذا يعنى أننا سنحتاج مهلة أكبر من ساعتين.
جاءه صوت (عبد الوهاب) ساخرا وهو يقول:
- بل يعنى أنه يجب عليك التحرك الآن ولا تضيع المزيد من الوقت.
أجابه (سعيد) بسرعه:
- سنفعل, ولكنك تجعل الأمر مستحيلا, فأنت تطلـ...
قاطعه (عبد الوهاب) فجاة:
- هل تحاول مماطلتى؟
نظر (سعيد) إلى (أحمد) قبل أن يقول فى تردد وبصوت خافت:
- كلا, ولكننى أحاول توضـ...
قاطعه (عبد الوهاب) مرة أخرى:
- إجعلهم يتحركون اذا.
أجابه (سعيد) محاولا تهدئة الأمور:
- حسنا, ولكن بداية يجب أن...
قاطعه (عبد الوهاب) مرة أخرى بصوت غاضب:
- يبدوا أنكم فى حاجة إلى دفعة معنوية.
بُهت (سعيد) لجوابه ونظر إلى (أحمد) الذى ظهرت على وجهه علامات الدهشة, وتناهى إلى مسامعهم صوت (عبد الوهاب) عبر اللاسلكى وهو يأمر رجاله بإحضار رهينة, ثم صاح فيهم قائلا:
- سوف أعطيكم حافزا كبيرا, حتى تدركوا مدى جديتى.
ثم صرخ فى الرهينة آمرا إياها بالحديث, فأتاهم صوتها الملتاع عبر اللاسلكى وهى تقول:
- أرجوكم إفعلوا شيئا, لا تدعوه يقتلنا...أنا عندى إبن فى السابعه من عمره, أرجوكم أنقـ...
قطع صراخها دوى رصاصة إنتفضت له أجساد الجميع, فنظروا إلى بعضهم فى ذهول, قبل أن يأتيهم صوت (عبد الوهاب) القاسى وهو يقول:
- أرجو أن يكون هذا الدرس كافيا لكم...أحضروا المال الآن, وإلا لن أطلق تهديدا واحدا بعد الآن...ودعونى أخبركم أننى رجل يلتزم بكلمته مهما حدث...إنتظروا إتصالى القادم.
أنهى (عبد الوهاب) الإتصال بينما حدّق (أحمد) و (سعيد) فى جهاز اللاسلكى غير مصدقين ما حدث, فعلى بعد أمتار قليلة منهم نقل إليهم اللاسلكى صوت رصاصة تردى أحد الرهائن, ليعلن بعدها عن وجود شخص خطير جدا يتحكم فى ستون رهينة وعلى استعداد لإبادتهم جميعا.

*********
2- الفدية

" كيف المخرج من هذا الجحيم؟ "

نطق (سعيد) بالعبارة وهو يجلس أمام شاشة الكومبيوتر, وأمامه جهاز اللاسلكى فى إنتظار إتصال قادم من (عبد الوهاب), وخيّم الصمت على المكان, حتى أن (أحمد) جلس صامتا ودفن وجهه بين كفيه, وبدا له الموقف معقد تماما؛ فهو لا يمكنه حتى الحديث مع خصمه, ولا يمهله وقت للتفكير.

" هل تعتقد أنه قتلها بالفعل؟ "

نطق (سعيد) بسؤاله ليقطع حاجز الصمت, فنظر إليه (أحمد) وقال:
- كلا, لا أعتقد ذلك, إنه فقط يضغط على أعصابنا.
قال (سعيد) فى قلق:
- ولكننا سمعنا صوت الرصاصة واضحا, وصرخاتها خمدت فى نفس اللحظة التى إنطلقت فيها الرصاصة.
أجاب (أحمد) فى قلق:
- لا..لا يمكن أن يكون قد فعلها, فهذه ستكون أكبر حماقة قد يرتكبها, فهو بذلك سينتقل من جريمة السرقة والإختطاف إلى القتل العمد, أى أنه سيضع نفسه فى مأزق أكبر.
قال (سعيد) بكل توتر:
- يبدو لى من لهجته أنه لا يهتم, ولكن ماذا نفعل الآن؟
نهض (أحمد) وهو يقول:
- لن نقف هكذا مكتوفى الأيدى, سوف أبدأ فى محاصرتهم الآن.
ثم رفع هاتفه وطلب رقما ما, وانتظر قليلا قبل أن يقول للشخص الذى على الطرف الآخر:
- أحضر فرقة قناصة واجعلهم يتخذون مواقعهم أعلى الكوبرى العلوى...
هتف (سعيد) فى قلق وهو يقاطعه:
- ولكن هذا قد يسبب مشاكل كبيرة, فكما هو واضح من شخصيته لن يسمح لنا بفعل ذلك, وقد يقتل رهائن أخرى, كما أنك تقوم بتصعيد الأمور بشكل كبير جدا.
انتظر قليلا قبل أن يستطرد مرة أخرى:
- أنا أقدر موقفك تماما, ولا أرغب فى التدخل فى عملك, ولكن يجب ألا تغفل أنك تريد محاصرة محطة القطار, ولتعلم أن القطارات هى أحد مصادر الدخل القومى الكبيرة, والتى تعد أرخص وسائل المواصلات وأكثرها أمانا...فهل تتخيل أنه قد يُقدم راكب واحد على استقلالها مرة أخرى, بعد أن يصل الأمر لتصعيد حالة إختطاف لقطار ومحاصرة المحطة, ووجود فرقة كاملة للقناصة؟!
نظر إليه (أحمد) قليلا وهو يفكر فى كلماته قبل أن يقول:
- حسنا, سنحاول إنهاء الأمور فى سرية, ولكن يجب أن تساعدنى فى هذا.
سأله (سعيد) فى لهفة واضحة:
- كيف؟؟
أجابه (أحمد) على الفور:
- قم بغلق هذا المكتب ولا تدع أحدا يقترب من هنا, واعط أمرا لباقى الموظفين بمتابعة أعمالهم بصورة طبيعية, واعلن أن الأمر مجرد خطأ أو عطل فنى فى القطار وجارى إصلاحه.
قام (سعيد) بتنفيذ أوامره على الفور ودون مناقشة, بينما التقط (أحمد) هاتفه مره أخرى ليتابع:
- حسنا يا (حسام), قم بإلغاء مهمة فرقة القناصة, وإذهب إلى المجلس المحلى للمحافظة وإجعلهم يحضّرون المال فى أسرع وقت, وأرسل أمرا للقوات أن تحاصر مخزن القطارات بدائرة نصف قطرها مائة متر على الأقل, ولا يحاول أحد التقدم إلا بإشارتى.
أنهى الإتصال والتفت إلى (سعيد) يسأله:
- هل هناك وسيلة للوصول إلى ذلك الوغد؟
تنحنح (سعيد) قبل أن يجيب:
- لست أدرى كيف تريد منى مساعدتك!
هتف (أحمد) بنبرة صوت متصاعدة:
- أسألك عن أى وسيلة للوصول إلى هناك, هل هناك أنفاق أو طرق تؤدى للصول إليهم؟
هزّ (سعيد) رأسه نفيا وهو يقول:
- للأسف, كلا ياسيدى, فالبقعة التى بها مخزن القطارات خالية من أى مبانى كما أنها فى مكان واسع بعيد عن الطرق, باستثناء الجانب الشرقى الذى يطل على طريق المحطة, ولكن لا يمكنك الوصول إلى هناك دون أن يكشفوا أمرك.
هتف (أحمد) فى دهشة:
- عجبا, ليس من العادة أن يحتمى المجرم بمكان مكشوف كهذا!.
ثم هتف فى يأس:
- ما يحنقنى هو أننى لا يمكننى التحدث معه, بل حتى لم أرى وجهه حتى الآن, كيف أستطيع مواجهته وأنا لا أعلـ...

" كاميرات المراقبة.."

هتف (سعيد) بالعبارة فى إنفعال ليقطع حديث (أحمد) الذى إلتفت إليه متسائلا:
- أى كاميرات تقصد؟!
هتف (سعيد) فى حماس:
- كاميرات المراقبة التى وضعناها على القطارات...يمكننا رؤيتهم من خلالها.
نظر إليه (أحمد) فى دهشة وإستنكار فتابع موضحا:
- بعد أن كثرت حوادث القطارات فى الآونة الاخيرة, قمنا بوضع نظام مراقبة فى القطارات ليسمح لنا بمعرفة ما حدث قبل الحادث, وذلك بعد أن نادت الأصوات بأن العامليين فى القطار هم من يتسببون فى الحادث بسبب إهمالهم.
سأله (أحمد) فى إهتمام:
- هل تقصد أنه يمكننا رؤية ما يدور بداخل العربات المخطوفة الآن؟
أجابه (سعيد) بكل حماس:
- نعم.
ثم إلتفت إلى جهاز الكومبيوتر ليضغط أزراره و(أحمد) يسأله فى إهتمام:
- هل هذا النظام مطبق على جميع القطارات؟
أجابه (سعيد) وهو يهز رأسه نفيا:
- كلا بالطبع, فقط على القطارات المهمة, كالقطارات السريعة والمكيفة.
سأله (أحمد) فى حدة:
- ولماذا لم تخبرنى بذلك مسبقا؟
أجابه (سعيد) وهو يواصل فتح كاميرات المراقبة:
- معذرة, ولكن صدمة الحادث المفاجئة جعلتنى غير منتبه لذلك.
سأله (أحمد) بإهتمام:
- اذا أنتم تضعون نظام مراقبة على القطارات, هل هذا يعنى أن العاملين على متن القطار يعلمون بأنهم مراقبون؟
أجابه (سعيد):
- كلا بالتأكيد حتى يمكنهم مواصلة عملهم بدون توتر
ثم صمت لحظات قبل أن يضيف:
- مما يعنى أيضا أنهم لن يعلموا أننا نشاهدهم.
سأله (أحمد) بدهشة:
- ولماذا تعرف أنت بهذا النظام؟!
أجابه (سعيد) وهو يضغط زرا أخيرا:
- هذا جزء من إختصاصى.
ومع نهاية عبارته تم تفعيل نظام المراقبة, ونقلت الشاشة ما يدور داخل العربات الثلاثة, فهناك كانت جميع الرهائن جالسين على الأرض ويقف عليهم رجال (عبد الوهاب) بأسلحتهم, بينما انزوى أحدهم بعيدا وهو ممسك فى يده جهاز اللاسلكى...

" ياإلهى...لقد فعلها "

هتف (سعيد) بالعبارة وهو يشير إلى نقطة معينة على الشاشة, واتسعت أعينهم جميعا وهم يحدقون فى الشاشة, فهناك وحيث أشار (سعيد) كانت ترقد جثة الفتاة التى أطلق عليها (عبد الوهاب) الرصاص وأصابها فى صدرها مباشرة.
وتبادل (أحمد) و (سعيد) نظرات ذهول ورعب, فهم قد تأكدوا تماما أنهم أمام شخص خطير جدا...ومجنون.

*********

" حسنا, ماذا قررتم الآن... "

إنطلقت العبارة بصوت (عبد الوهاب) عبر اللاسلكى, فالتفت إليه (أحمد) وأشار إلى (سعيد) أن يبدأ مجاراته فى الحديث فهتف قائلا:
- نحن نعد المال بالفعل, ولكن أرجوك لا تقدم على أى عمل متهور, سوف ننفذ كل مطالبك, ولكن أرجوك لا مزيد من الدماء.
إنطلقت ضحكة ساخرة من (عبد الوهاب) قبل أن يرد قائلا:
- ولم التجهم؟, إنهم مجرد ستون شخصا!
رد عليه (سعيد) فى دهشة:
- مجرد!, حتى ولو شخصا واحدا, الروح لا يمكن تقييمها.
أجابه (عبد الوهاب) بتهكم شديد:
- هل تعلم كم عدد الأشخاص الذين يموتون سنويا بسبب التدخين والإدمان؟, وكم عدد الأشخاص الذين يموتون جوعا؟, وكم عدد الأشخاص الذين يلقون حتفهم فى حوادث الطرق يوميا؟...هل تدرك هذه الأرقام جيدا؟, إذا أنت تدرك قيمة الروح جيدا لماذا لم تهتم بأرواح هؤلاء؟
إبتلع (سعيد) غصّة فى حلقة قبل أن يقول:
- هؤلاء كانت لديهم أقدار لا يمكن تغييرها, كما أنهم من إختاروا طريقهم بأنفسهم, ولكن أنت لا يمكنك أن تحكم على أى شخص بالموت, وليس لك الحق فى قتله بدون وجه حق حتى ولو كان فاسدا.
أجاب (عبد الوهاب) بكل هدوء:
- فلسفة سخيفة...تعددت الطرق والموت واحد.
أراد (سعيد) تهدئة الأجواء حتى يتفادى أى حركة حمقاء قد يقوم بها (عبد الوهاب) فقال:
- حسنا, لن أجادلك فى هذا الأمر, نحن فقط نطلب أن تمد لنا المهلة الزمنية حتى نستطيع إحضار المال المطلوب.
جاء صوت (عبد الوهاب) مخيفا وهو يقول:
- يبدوا أنكم لم تستوعبوا الدرس جيدا, أنا لن أزيدكم دقيقة واحدة.
ثم أضاف قائلا:
- لا تتحدث إلا أن يكون لديك شيئا مهما.
ثم أنهى الإتصال, صمت (أحمد) بضع لحظات ثم قال لـ(سعيد):
- هل يمكنك تثبيت الصورة على وجهه؟
أجابه (سعيد):
- بكل تأكيد.
وقرن قوله بالفعل, ثم ثبت الصورة على وجه (عبد الوهاب), لم تكن الصورة واضحة بدرجة كبيرة, ولكنها كانت كافية للتعرف على الوجه, فقال (أحمد):
- حسنا لا بأس, إطبع لى هذه الصورة الآن.

" ألم أخبركم أنكم لم تستوعبوا الدرس... "

إنطلقت العبارة بصوت (عبد الوهاب) فالتفت (أحمد) و (سعيد) إلى جهاز اللاسلكى, وأجاب (سعيد) متسائلا فى دهشة:
- ماذا هناك؟!
أجاب (عبد الوهاب) بصوت وحشى:
- أنا أردت أن يكون الأمر سريعا ونظيفا, ولكنكم تريدون أن تظهروا فى الصورة كأبطال...أرى أن قوات الشرطة بدأت فى محاصرة المكان.
ثم أضاف بلهجة قاسية:
- وهذا غير مقبول.
ثم ظهر أمامهم على الشاشة وهو يشير إلى أحد رجاله بإحضار رهينة وصوب سلاحه إلى صدره قبل أن يتابع قائلا:
- أخبر صديقك أن أمامه مهلة سبع ثوان ليصدر الأمر بإنسحاب القوات وإلا خسر رهينة أخرى.
أجاب (سعيد) بسرعه:
- حسنا حسنا, سيفعل ولكن أرجوك لا تقتله.
جاء صوت (عبد الوهاب) باردا وهو يقول:
- سيفعل, ولكن هذا لا يعفيه من العقاب.
ثم أطلق النار مباشرة على صدر الرجل فانطلقت الرهائن الأخرى تصرخ فى فزع, كانت الكاميرات لا تنقل الصوت ولكن الصور كانت تكشف تماما عن مدى الرعب الذى هم فيه, وأمام أعين (أحمد) سقط الرجل بلا حراك, وكان هذا أكبر مما يتحمله, فصرخ قائلا:
- أيها الوحش السادى, كيف يمكنك أن تقتل الرهائن هكذا بكل برود؟!, كيف تعتقد أننا سننفذ لك مطالبك إذا استمررت فى قتلهم!, نحن ننفذ لك مطالبك فقط حتى لا تفعل ذلك.
أتاه صوت (عبد الوهاب) أكثر برودا وهو يقول:
- سأغفر لك خطأك هذه المرة لأننى أريد أن أعقّب على حديثك...قتلى للرهائن لن يمنعكم من تنفيذ مطالبى, لأننى سأستمر فى قتلهم إذا لم يتم إحضار المال, أنتم فقط سوف تحضرون المال لكى تقللوا عدد القتلى...ولكن إذا لم تفعلوا؛ فالحصيلة سترتفع.
ثم أنهى الإتصال دون أن يضيف كلمة واحدة أخرى, فأسرع (أحمد) يلتقط جوّاله ليجرى إتصالا ويهتف قائلا:
- جميع القوات تنسحب الآن...أكرر.
ثم أغلق الإتصال, وأجرى إتصالا هاتفيا أخر, وانتظر قليلا حتى تم توصيله بالطرف الآخر فهتف قائلا:
- أحضر المال بسرعه يا (حسام), فهذا الوغد سوف يقوم بمذبحة.
إنتظر قليلا ليستمع إلى رده قبل أن يصرخ فى ثورة غاضبة:
- تبا لهم جميعا, علينا أن ننقذ الرهائن أولا فهذا الوغد يطلق عليهم النار بلا مبالاة...أخبرهم أننى المسؤل عن المال...إفعل ذلك الآن وإلا ستكون النتائج كارثية...أحضر المال فى غضون عشر دقائق على الأكثر, لأن المهلة أوشكت على النفاد وأنا لا أرغب فى معرفة ماسيقدم عليه هذا المجنون حينها.
ثم أنهى الإتصال وهو يزفر فى قوة فى محاولة للسيطرة على أعصابه, ثم إلتقط صورة (عبد الوهاب) المطبوعة وأدخلها فى جهاز الفاكس الملحق بالكمبيوتر ليرسلها إلى جهة معينة وهو يقول:
- دعنا نتعرف عليك أيها الوغد.
لم تمض بعدها أكثر من خمسة عشر دقيقة حتى دخل (حسام) وهو يلهث من فرط الإنفعال:
- لقد أحضرت المال, لقد أقنعتهم بصعوبة بالغة.
ثم إلتفت إلى (أحمد) قائلا:
- مدير الإدارة يطلب منك الإتصال به قبل أن تبدأ تسليم المال.
هتف (أحمد) بكل غضب:
- فليذهب إلى الجحيم.
ثم إلتفت إلى (سعيد) قائلا:
- أجرِ إتصالك به وأخبره أننا أحضرنا المال.
نفذ (سعيد) مطلب (أحمد) وانتظر قليلا قبل أن يرد عليه (عبد الوهاب) قائلا:
- حسنا ضع الأموال على عربة صغيرة تسير على القضبان, وأحضرها إلى وحدك.
نظر (سعيد) إلى (أحمد) فى دهشة, بينما تابع (عبد الوهاب) قائلا:
- أعتقد أننى واضح جدا, فقط (سعيد) هو من يحضر المال وحده, وإذا حاولتم القيام بدور الأبطال أنتم تعلمون جيدا ما سيحدث.
اندفع (أحمد) يسأله:
- ماذا عن الرهائن؟, لقد حصلت على المال, ماذا عن الرهائن, كيف ستخلى سبيلهم.
جاء صوت (عبد الوهاب) هادئا وهو يقول:
- حسنا, سوف أكسر القاعدة وأبدأ فى الحديث معك, سوف أخلى سبيل الرهائن بعد حصولى على المال وأؤكد لك مرة أخرى أننى رجل يلتزم بكلمته مهما حدث, وأنصحك ألا تحاول القيام بدور الأبطال, لأن هذا لن يفيدك عندما أزين جبهتك برصاصة صغيرة.
اندفع (أحمد) يسأله مرة أخرى:
- هناك نقطة تثير حيرتى, هل يمكنكك توضيحها لى؟
أتاه صوت (عبد الوهاب) ودودا وهو يقول:
- على الرحب والسعة.
قال (أحمد) بسرعه:
- لماذا طلبت مبلغ أحد عشر مليونا؟, لماذا هذا الرقم بالذات, كان من البديهى أن تطلب عشرة ملايين وليس أحد عشر مليونا!!
إنطلقت ضحكة صغيرة من بين شفتى (عبد الوهاب) وهو يقول:
- يمكنك أن تقول أننى أفضل الأرقام الفردية.
ثم سكت لحظة قبل أن يقول بلهجة عجيبة:
- أخبرنى أيها الظابط, هل شاهدت فيلم (taking of Pelham 123) ؟
تفجرت الدهشة فى وجه (أحمد) وبدا ذلك واضحا فى صوته وهو يقول:
- وما علاقة ذلك بموقفنا الآن؟!
أجابه (عبد الوهاب) بصوت يحمل المزيج من السخرية والغموض:
- لا علاقة مطلقا, غيرَ أن هذا فيلم لم تعجبنى نهايته.
ثم توجه إلى (سعيد) بحديثه قائلا:
- أحضر المال الآن.

يُتبع.....
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
abuiyad